يحيي بن حمزة العلوي اليمني
29
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
كلها ، على اختلاف أحوالها في اللغة ، والعرف ، والشرع . ولنقتصر على هذا القدر من تعريف الحقيقة ففيه كفاية . تنبيه اعلم أنه قد أثر عن كثير من النّظار أمور في تعريف الحقيقة ، ونحن نوردها ونظهر وجه فسادها . التعريف الأول يحكى عن الشيخ أبى عبد اللّه البصري وحاصل ما قاله في الحقيقة أنها اللفظ الذي يفيد ما وضع له . وهذا فاسد ، لأمرين ، أما أولا : فلأنه يدخل في حدّ الحقيقة ما ليس منه فإذا استعملنا لفظ الدابة في الذبابة ، والدّودة ، فقد أفاد ما وضع له في أصل اللغة ، مع أنه بالنسبة إلى الوضع العرفي ، مجاز ، فقد دخل المجاز العرفي فيما جعله حدّا لمطلق الحقيقة . فلهذا كان باطلا . وأما ثانيا : فلأن هذا يبطل بالأعلام المرتجلة ، فإنها أفادت ما وضعت له ، مع أنها غير حقائق فيما دلّت عليه من معانيها . فبطل ما أورده . التعريف الثاني ذكره الشيخ عبد القاهر الجرجاني وحاصل ما قاله أن الحقيقة كل كلمة أريد بها نفس ما وقعت له في وضع واضع ، وقوعا لا يستند فيه إلى غيره ، كالأسد ، للبهيمة المخصوصة . وهذا ليس بجيد ، فإنه يقتضى خروج الحقيقة الشرعية ، والعرفية ، عن حدّ الحقيقة ، لأنهما لم يفدا نفس ما وضعا له في وضع واضع ، بل أفادا غيره ، فيدخلان في حدّ المجاز كما سنقرّره فيه . فإن أراد بقوله : بوضع واضع ، أىّ واضع كان ، فلا اعتراض عليه . وهذا هو المظنون بمثل عبد القاهر ، فإنه الماهر في لطائف الكلام وأسراره . التعريف الثالث ما ذكره الشيخ أبو الفتح ابن جنىّ وحاصل ما قاله في تعريف الحقيقة : أنها ما أقرّ في الاستعمالات على أصل وضعه في اللغة . وهذا فاسد أيضا ، فإنه يلزم منه خروج الحقائق الشرعية ، والعرفية عن حد الحقيقة لأنها لم تقرّ في الاستعمال على أصل وضعها اللغوىّ ، مع أنها حقائق . التعريف الرابع ذكره ابن الأثير في كتابه المثل السائر فإنه قال في ماهيّة الحقيقة : إنها اللفظ الدالّ على موضوعه الأصلي . وهذا فاسد ، لما فيه